الشيخ محمد هادي معرفة
124
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
* * * فعلى ما ذكره العلّامة ابن خلدون تكون جلّ المنقولات عن هؤلاء الكتابيّين ، لا وثوق بها ؛ حيث مصدرها الشياع القوميّ ، ولكلّ قوم أساطيرها المسطّرة في تاريخ حياتها ، يحكونها وينقلونها يدا بيد ، وهذا التنقّل حصل فيها التحريف والتبديل الكثير ، بما ألحقها بالخرافات والأوهام ، وهؤلاء أصحاب القوميّات المختلفة ، دخلوا في الإسلام ومعهم ثقافاتهم وتاريخهم ، أتوا بها وبثّوها بين المسلمين . قال الأستاذ أحمد أمين : إنّ كثيرا من الشعوب المختلفة ذوات التواريخ دخلت في الإسلام ، فأخذوا يُدخلون تاريخ أممهم ويبثّونه بين المسلمين ، إمّا عصبيّة لقومهم أو نحو ذلك . فكثير من اليهود أسلموا ومعهم ما يعلمون من تاريخ اليهوديّة وأخبار الحوادث ، حسبما روت التوراة وشروحها ، فأخذوا يحدّثون المسلمين بها ، وهؤلاء ربطوها بتفسير القرآن أحيانا ، وبتاريخ الأمم الأخرى أحيانا . إن شئت فاقرأ ما في الجزء الأوّل من تاريخ الطبريّ تجد منه الشيء الكثير ، مثل ما أُسند عن عبد اللّه بن سلام ، أنّه تعالى بدأ بالخلق يوم الأحد ، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عجل « 1 » - حسبما جاء في التوراة - وكثير من هذا النوع رُوي حول ما ورد في القرآن من قصص الأنبياء . كذلك كان للفرس تاريخ ، وكان لهم أساطير ، فلمّا أسلموا رووا تاريخهم ورووا أساطيرهم ، وكذلك فعل النصارى . فكانت هذه الروايات والأساطير عن الأمم المختلفة مبثوثة بين المسلمين ، ومصدرا من مصادر الحركة التاريخيّة عندهم « 2 » . وعليه فنشطب على جميع ما ينقل عن أهل الكتاب فيما يمسّ تفسير القرآن أو تاريخ الأنبياء إذا كان نقلًا بالشفاه وليس مستندا إلى نصّ كتاب قديم معتمد ؛ حيث مصدرها الشياع العامّ ، ولا اعتبار به أصلًا . وسنورد أمثلة لإسرائيليّات دخلت على الإسلام ، وكان مصدرها الشياع والاسطوريّة .
--> ( 1 ) - . تاريخ الطبريّ ، ج 1 ، ص 23 ، مطبعة استقامة مصر ، 1358 . ( 2 ) - . فجر الإسلام ، ص 157 .